حسن الأمين
230
مستدركات أعيان الشيعة
يصور القضية بشكل معقول ! هين ! طبيعي ! وقد حاول توفيق الفكيكي أن ينبهه إلى الصواب من خلال تصويب بعض أخطائه التي لا يهمنا منها سوى موضوع التجسيم ، إلا أنه زاد على أخطائه في كتاب « الصلاة . . . » خطا أفحش ، في رده على الأستاذ الفكيكي فيما نشره في مجلة « الايمان » الصادرة في النجف . ولعلاقة ذلك بموضوع البحث رأينا التصدي له ، فنقول : أما ما ذكره في رده على الأستاذ الفكيكي ، فهذا نصه : إن هذا المتكلم ( يعني هشام بن الحكم ) فلسف التجسيم قبل ظهور نفي الصفات عند أبي الهذيل العلاف المعتزلي ( المتوفى 235 ) ( كذا ) بحيث حصل منه نظرية هي إلى التجريد أقرب ، وذلك دون نقض المعنى المادي ، الذي يفهم من آيات التشبيه . وجاء ذلك من استغلال فكرة النور التي كانت من تراث الشيعة . فجعل هشام النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به ، واعتبره « جسما لطيفا » . ثم جعل ما ليس بمادة - كالعلوم ، والحركات - أجساما . وبذلك ( 1 ) المعنى المجرد بالكائن المجرد في لطافة الجسم . وانحل الاشكال ، وصارت الجسمية لله اعتبارا عقليا ، وأمرا ذهنيا . خالصا ، ليس إلى تلمسه سبيل ، كما أن العلم والحركات أجسام لا تلمس . وذلك لأن الله تعالى - بقول هشام - : « جسم لا كالأجسام » و « صورة ( 2 ) لا كالصور « تماما كما هو » عالم بعلم ، وعلمه ذاته « التي يستشهد بها المعتزلة ، دليلا على التجريد والتنزيه . فأي ضير بعد في أن يكون هشام مجسما عقليا ؟ يقدم الدليل على أن المادة المعنية إلهية لا تدرك بالحواس ؟ وأين الاشكال ، إذن ؟ ثم قال : يبقى شيء مهم جدا ، هو أنني لم أنفرد بهذا الرأي في هشام ، وإن عرضت له على عجل في رسالتي التي فرغت منها سنة ( 1958 ) فقد توصل إليه الشيخ عبد الله نعمة بعد دراسة واستقصاء في كتاب برأسه بدور حول « هشام بن الحكم . . . » طبع لبنان ( 1959 ) . ثم أخذ بنقل كلام الشيخ نعمة بطوله ( 3 ) أقول : إن الكاتب قد ادعى على هشام دعاوي طويلة عريضة ، ولم يقدم على واحد منها دليلا أو شاهدا ، وهي : 1 - أن هشاما أثبت نظريته على أساس عدم نقض المعنى المادي الذي يفهم من آيات التشبيه . 2 - استغلال هشام لفكرة النور ، وجعله النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به . 3 - اعتبار هشام للنور جسما لطيفا . 4 - جعل هشام ما ليس مادة - كالحركة والعلم - جسما لطيفا . 5 - بدل هشام المعنى المجرد بالكائن المجرد ، في لطافة الجسم . 6 - صارت الجسمية اعتبارا عقليا خالصا ، ليس إلى تلمسه سبيل ، كما أن العلم والحركات أجسام لا تلمس . 7 - لأن الله تعالى - بقول هشام - : « جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » تماما كما هو عالم بعلم وعلمه ذاته ، التي يستعملها المعتزلة دليلا على التجريد والتنزيه . 8 - إقامة الدليل على أن المادة المعينة إلهية لا تدرك بالحواس . وإليك تفصيل مناقشتنا لهذه الدعاوي : 1 - إن هشاما بنى نظريته على أساس عدم نقض المعنى المادي المفهوم من آيات التشبيه . فيه بحثان : الأول : إن الربط بين مقالة هشام وبين رأيه في آيات التشبيه ، وأن تلك الآيات والمعنى المادي المفهوم منها كانت مؤثرة في نظريته في التجسيم ! وهذا ما لم أجده في أي مصدر من المصادر التي تعرضت لمقولة هشام ، أن ذكر فيه ارتباط نظرية هشام برأيه في آيات التشبيه ، فلم تذكر تلك الآيات في سباق مقولته ، حتى يمكن فرض الربط بينهما . هذا من جهة . ومن جهة أخرى : فان مقولة هشام المحتوية على ذيل : « . . . لا كالأجسام » تنفي كل تشبيه - على الإطلاق - بين الخالق والمخلوق - كما سبق أن أوضحناه مفصلا - وهذا وحده يدعو إلى الاعتقاد بان هشاما لا بد أن يكون من أهل تأويل تلك الآيات ، وعدم فهم المعنى المادي منها . وقد يشير إلى هذا أيضا عدم نقلهم خلافا عن هشام ، للطائفة الشيعية التي تلتزم بالتأويل كما هو واضح في مقامه . الثاني : إن نظرية هشام في « الجسم » مبنية على المعنى المادي ، وعدم نقضه ! إن مصطلح هشام في « الجسم » وهو « الشيء » بحقيقة الشيئية التي هي « إثبات الذات » و « الموجود » و « المستقل بالنفس » كما أثبتناه مفصلا ، يعني : أن هشاما ينزه البارئ جل ذكره عن كل ماهية مادية موجودة في أي جسم طبيعي آخر . فكيف يجوز أن ننسب إليه إدخال « المعنى المادي » في نظريته حتى على فرض « اللطافة » ! ؟ وفي هذه النقطة بالذات ، يختلف ما قصده الكاتب عما ثبت عن هشام في تفسير مقولة « جسم لا كالأجسام » حيث لم نجد في كلمات الكاتب - كلها - ذكرا ولا إشارة إلى مصطلح هشام في « الجسم » ذلك الذي تناقلته كافة المصادر ، وقررته وأكدت نسبته إلى هشام ! ومن هذه النقطة يبدأ انحراف الكاتب عن التوجيه الصحيح لمقولة هشام ، كما سنثبته في النقاط التالية :
--> ( 1 ) كذا وردت هذه الكلمة في المصدر ، ولعلها تصحيف من « ويدل » فلاحظ . ( 2 ) المطبوع في المصدر : » وصوت « . ( 3 ) مجلة « الايمان » النجفية ، السنة الأولى ، سنة 1383 ه ، العدد 7 - 8 ، ص 604 .